تتصاعد المخاوف الإسرائيلية من تداعيات الحرب السودانية على الأمن الإقليمي، في ظل تكثيف مصر حملتها ضد أنشطة التنقيب غير القانوني عن الذهب، وما تفرضه الحرب في السودان من اضطراب في حركة التجارة وتراجع سيطرة الدولة، وتحول الذهب إلى مصدر دخل للجماعات المسلحة. ويرى الكاتب والمحلل السياسي أمين أيوب أن هذه التطورات قد تمتد آثارها إلى مسارات كانت تُستخدم سابقًا لنقل الأسلحة من السودان عبر الأراضي المصرية إلى قطاع غزة، بما يطرح تحديات أمنية جديدة أمام إسرائيل.
 

وذكر موقع يديعوت أحرونوت الإسرائيلي، في تحليل نشره أيوب، أن مقتل ضابطين من حرس الحدود المصري خلال مواجهات في إطار حملة مكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب يكشف خطورة النشاط الإجرامي المتنامي في المناطق الحدودية، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية التي تواجهها القاهرة وتوسع مشروعات النقل والبنية التحتية في سيناء، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مستقبل التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل.

 


حملة مصرية واسعة لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب


أعلن العقيد أحمد عثمان، المتحدث العسكري المصري، في 5 نوفمبر، مقتل ضابطين خلال اشتباكات وقعت في إطار الحملة الأمنية، وهما العقيد أحمد سمير، رئيس أركان قوات حرس حدود المنطقة الجنوبية، والمقدم أحمد جودة، رئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود.


وتعكس هذه الخسائر أن الحملة تجاوزت نطاق الإجراءات الجمركية التقليدية، في ظل قدرة الجماعات المسلحة العاملة في مناطق التعدين النائية على مواجهة قوات الدولة، ما دفع القاهرة إلى نشر وحدات عسكرية والاستعانة بأجهزة مدنية لملاحقة المتورطين.


وبحسب ما عرضه المتحدث العسكري خلال مؤتمر صحفي في 5 نوفمبر، نُفذت الحملة عبر ثلاث مراحل امتدت من 14 يونيو إلى 29 أكتوبر، وأسفرت عن ضبط 691 شخصًا، بينهم 151 مصريًا و540 أجنبيًا، فيما سلّم 6614 شخصًا أنفسهم عند نقاط التفتيش قبل انطلاق الحملة، عقب تلقيهم تحذيرات ومنحهم مهلة لتسوية أوضاعهم.


كما أعلنت القوات المسلحة ضبط 34 قطعة سلاح ناري و6307 طلقات و317 مركبة و916 قطعة من المعدات الهندسية و73 جهازًا للكشف عن المعادن و433 مولدًا كهربائيًا و4488 مأوى، إلى جانب نحو 860 طنًا من المواد الحاملة للذهب.


وامتدت العمليات على نطاق جغرافي واسع في الصحراء الشرقية، من محيط مرسى علم باتجاه جبل عيقات، ولم تقتصر جميع المداهمات على المناطق المحاذية للحدود السودانية. وأشار الجيش إلى امتلاك بعض المجموعات أسلحة رشاشة ومضادة للطائرات وبنادق قنص، فضلًا عن استخدام طائرات مسيرة مسلحة لاستهداف مخازن الأسلحة، معلنًا الاستعداد لإطلاق مرحلة رابعة في 7 نوفمبر، مع تأكيد تبادل المعلومات مع السودان بشأن أمن الحدود.


وأثارت المواجهات تداعيات دبلوماسية، بعدما اتهمت منظمة «محامو الطوارئ» السودانية، في أكتوبر، مصر بشن غارة جوية على موقع للتنقيب عن الذهب شمالي السودان، قالت إنها أسفرت عن مقتل 72 شخصًا على الأقل، بينما أعلنت مجموعة طبية في البداية سقوط 13 قتيلًا.


ولم تتأكد بصورة مستقلة هوية الطائرة التي نفذت الهجوم، كما لم يصدر تعليق عن الجيش المصري بشأن الاتهامات. وفي وقت لاحق، قُتل سائقان مصريان لشاحنتين قرب الخرطوم وأصيب ثالث، وسط تقارير سودانية أفادت بأن منفذ الهجوم زعم أنه ينتقم لمقتل شقيقه في الغارة المزعومة، دون أن يثبت ذلك هوية الجهة المسؤولة عنها. وأمر قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بفتح تحقيق في الواقعة.

 


الحرب السودانية ومسارات تهريب السلاح تثيران قلق إسرائيل


اندلعت الحرب السودانية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وأدت إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل الأنشطة الاقتصادية الرسمية، فيما تحول الذهب إلى مصدر تمويل للأطراف المتحاربة وسلعة يجري تداولها عبر قنوات غير رسمية.


وأشار تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة الصادر في يناير 2024 إلى خروج أكثر من نصف الذهب المستخرج في السودان عبر قنوات غير رسمية، موضحًا أن معظم الذهب الذي كان يُصدّر سابقًا إلى الإمارات العربية المتحدة بات يُهرّب إلى مصر عقب اندلاع الحرب.


وتراقب إسرائيل هذه التطورات في ضوء سوابق استخدام البحر الأحمر ومسارات السودان ومصر في نقل الأسلحة. ففي 5 مارس 2014، اعترضت البحرية الإسرائيلية السفينة «كلوس سي» في البحر الأحمر قبل وصولها إلى ميناء بورتسودان، وكانت تحمل 400 صاروخ إيراني من طراز «إم-302» و181 قذيفة هاون ونحو 400 ألف طلقة ذخيرة، وفقًا للجيش الإسرائيلي.


وزعم الجيش الإسرائيلي آنذاك أن الشحنة كانت موجهة إلى جماعات مسلحة في قطاع غزة، وأنها انطلقت من إيران مرورًا بالعراق. ورغم أن الأسلحة لم تصل إلى السودان، فإن الواقعة كشفت عن مسار يربط إيران والبحر الأحمر والسودان ومصر.


لكن هذه السابقة لا تثبت وجود صلة بين منقبي الذهب الحاليين وإيران، أو تورطهم في نقل الأسلحة إلى غزة. ومع ذلك، قد تستغل أطراف أخرى المسارات القائمة والوسطاء المحليين والمعرفة الجغرافية بالمناطق النائية لتنفيذ أنشطة التهريب.


وتشير المؤسسة العسكرية المصرية إلى ارتباط أنشطة التنقيب غير القانوني عن الذهب بالجريمة المنظمة العابرة للحدود وتهريب الأسلحة، وهو ما يستدعي، وفق التحليل، متابعة إسرائيلية دقيقة دون افتراض وجود خط إمداد إيراني جديد.


وتتلاقى المصالح المصرية والإسرائيلية في منع وصول الأسلحة إلى غزة، ما يجعل تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن تحركات شبكات التهريب والشحنات المشبوهة وتغير مسارات النقل أمرًا مهمًا للطرفين، خصوصًا مع امتداد تداعيات انهيار الدولة السودانية إلى محيط البحر الأحمر وسيناء.

 


ضغوط اقتصادية مصرية ومشروعات سيناء تفتحان ملف التنسيق الأمني


تتزامن الحملة المصرية مع تصاعد التوترات بشأن سد النهضة الإثيوبي، إذ أكد وزيرا الخارجية المصري والسوداني، خلال اجتماع في القاهرة في 2 نوفمبر، ترابط الأمن المائي للبلدين، ورفضا الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، ودعوا إلى التعاون وفقًا للقانون الدولي، بما يشمل الإخطار المسبق والتشاور وتجنب إلحاق أضرار جسيمة بدول الحوض.


كما أكدت القاهرة استعدادها لاتخاذ التدابير التي يسمح بها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لدعم السودان، وهو ما يعكس اعتبار مصر للتطورات السودانية قضية تتصل مباشرة بأمنها القومي، دون أن يعني ذلك وجود قرار وشيك بالتدخل العسكري.


وفي الوقت نفسه، تتقلص مساحة المناورة المالية أمام الحكومة المصرية. فقد وافق مجلس الوزراء، في 5 نوفمبر، على مشروع قرار لترشيد الإنفاق خلال العام المالي 2026-2027، يتضمن تأجيل المشروعات الجديدة التي أُضيفت إلى خطط الاستثمار، ووقف إبرام بعض التعاقدات الجديدة حتى 30 يونيو 2027، مع استثناء قطاعات الصحة والتعليم والأمن القومي والمياه والغذاء والطاقة.


وربطت الحكومة هذه الإجراءات بالتطورات الإقليمية والحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتزايد الضغوط على موارد النقد الأجنبي.


وتنتج مصر نحو 3.8 مليار قدم مكعبة من الغاز يوميًا، مقابل طلب يُقدّر بنحو 6.4 مليار قدم مكعبة، يرتفع إلى 7.2 مليار خلال ذروة الاستهلاك الصيفي. وخصصت الحكومة نحو 1.3 مليار دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال خلال أكتوبر، بزيادة تقارب 700 مليون دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
 

وتستنزف هذه المشتريات موارد النقد الأجنبي التي يمكن توجيهها إلى الاستثمار والواردات، في وقت تتنافس فيه احتياجات الأمن القومي وإعادة الإعمار ومتطلبات التنمية على الموارد المالية المحدودة.


وفي سيناء، تمضي مصر في تنفيذ مشروع ممر سكك حديدية يمتد لنحو 500 كيلومتر، ويربط الفردان وشرق بورسعيد وبئر العبد والعريش وطابا. ودخل أول مقطع يمتد لمسافة 100 كيلومتر بين الفردان وبئر العبد مرحلة التشغيل التجريبي للركاب في أكتوبر 2024.


وفي 2 نوفمبر، تفقد وزير النقل كامل الوزير أعمال مد القضبان في القطاع الممتد لمسافة 83 كيلومترًا بين بئر العبد والعريش، والذي يضم سبع محطات، ضمن مشروع أوسع يشمل الربط بميناء العريش ومد خط باتجاه طابا.


كما يجري توسيع مطار العريش الدولي من خلال إنشاء مدرجين متوازيين، يبلغ طول كل منهما ثلاثة كيلومترات، إلى جانب تطوير الميناء البحري وإضافة أرصفة وحواجز أمواج لزيادة قدرته التجارية.


وتقدم السلطات المصرية هذه المشروعات باعتبارها جزءًا من خطط التنمية المدنية والتكامل الاقتصادي، غير أن التحليل يشير إلى أن البنية التحتية قد تحمل استخدامات متعددة؛ فالسكك الحديدية والمطارات والموانئ التي تنقل الركاب والبضائع في أوقات السلم يمكن أن توفر خيارات إضافية لنقل المعدات خلال الأزمات.


ولا يعني ذلك أن مصر تخطط لنشر قوات عسكرية في مواجهة إسرائيل، لكنه يفرض على المخططين الأمنيين الإسرائيليين فهم تأثير هذه الشبكة على حركة النقل داخل شبه الجزيرة، التي تخضع للترتيبات الأمنية المنصوص عليها في معاهدة السلام الموقعة عام 1979، والتي تحدد مناطق أمنية وقيودًا على أعداد القوات وتسليحها، دون أن تفرض نزع السلاح عن سيناء بالكامل، مع إمكانية تعديل الترتيبات باتفاق الطرفين.


واختتم أيوب تحليله بالتأكيد على ضرورة تبني إسرائيل نهجًا عمليًا في التعامل مع هذه التطورات، عبر توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن شبكات الجريمة وشحنات الأسلحة وتغير مسارات التهريب، مع استمرار التشاور بشأن الانتشار العسكري ومشروعات البنية التحتية في سيناء.


وشدد على ضرورة التمييز بين مشروعات التنمية المدنية والتحركات العسكرية، معتبرًا أن الحملة المصرية ضد التنقيب غير القانوني عن الذهب لا تشكل دليلًا على فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل، لكنها تكشف عن امتداد تداعيات الحرب السودانية إلى خارج الحدود، بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها القاهرة في ملفات تهريب الذهب والدبلوماسية المائية وتكاليف الطاقة وتنمية سيناء، وهي عوامل قد تعيد تشكيل حساباتها الأمنية وتؤثر بصورة مباشرة في معادلات الأمن والسلام مع إسرائيل.

 

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/rjqd683pge